الأمير الحسين بن بدر الدين

223

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [ الأنعام : 148 ] ، وفي هذه الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد المعاصي من وجوه خمسة : أحدها أن الله تعالى حكى صريح مذهب المجبرة عن المشركين ، وردّ عليهم ، وكذّبهم بقوله : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . الثاني قوله تعالى : حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا والبأس هو العذاب ، والعذاب لا يستحقّ إلا على الباطل . والثالث قوله : قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ، وهذا مما لا يقال إلا للمبطل ؛ لأنّ المبطل يقول ما لا يعلمه . والرابع قوله تعالى : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، ولا شك أنّ هذا ذم لهم على اتّباع الظن الذي لا يغني من « 1 » الحق شيئا . والخامس قوله تعالى : وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [ الأنعام : 148 ] - أي تكذبون . يدل عليه قوله تعالى : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [ الذاريات : 10 ] - أي لعن الكذابون « 2 » . فكان ذلك دليلا على عظم خطأ من يقول بهذه المقالة . ومنها قوله تعالى : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] ، وقوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] ، فنفى إرادة الكفر والفساد عن نفسه ؛ لأنّ الرضى والمحبة راجعان إلى الإرادة كما تقدم بيانه حيث بيّنّا أنّها ألفاظ مترادفة على معنى واحد . ومنها : قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ [ غافر : 31 ] . ومنها : قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ [ آل عمران : 108 ] ، فالله تعالى نفى عن نفسه إرادة كلّ ظلم على العموم ، وإثبات ما نفاه الله تعالى عن نفسه لا يجوز ؛ لأنه يكون تكذيبا للصادق وذلك لا يجوز ، ولأنّ إثبات ما نفاه الله تعالى عن نفسه يكون نقصا

--> ( 1 ) في ( ب ) : عن . ( 2 ) في ( ب ) : الكاذبون .